الشيخ محمد رشيد رضا

335

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في سماح المعاهد للمؤمن بالدية منة عليه والكتاب العزيز الذي وصف المؤمنين بالعزة لا يفتح لهم باب هذه المنة . ومن محاسن نظم الكلام وتأليفه ان يؤخر المعطوف الذي له متعلق على ما ليس له متعلق وما متعلقاته أكثر على ما متعلقاته أقل وهذه نكتة لفظية لتأخير ذكر الدية في حق المؤمن إذ تعلق بها الوصف وهو قوله « مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ » والاستثناء وهو قوله « إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا » ثم إنه لم يقل هنا في الدية « مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ » ويدل ذلك على أن القاتل لا يكلف ان يوصل الدية إلى أهل المقتول البتة وهم في غير حكم المسلمين إذ ربما يتعذر أو يتعسر عليه ذلك ، ولأنها حق لهم فعليهم ان يحضروا لطلبه واخذه ، وقد يكون من شروط العهد ان تعطى إلى رؤساء قوم المقتول وحكامهم الذين يتولون عقد العهود والمواثيق أو إلى من ينيبونه عنهم في دار الاسلام ، فوسع اللّه في ذلك . هذا ما ظهر لي في هذه الاطلاقات والقيود ونكتها ولم أر من بينها هذا هو الذي تعطيه الآية في دية غير المسلم إذا لم يكن محاربا وناهيك به عدلا . وقد اختلف الفقهاء في دية غير المسلمين لاختلاف الرواية وعمل الصدر الأول فيه ، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال « عقل الكافر نصف دية المسلم » رواه أحمد والترمذي وحسنه . وفي لفظ « قضى ان عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين » رواه أحمد والنسائي وابن ماجة . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه مقال معروف والجمهور على قبوله . والمراد بالعقل الدية لأن الأصل فيها عند العرب الإبل تعقل في فناء دار أهل المقتول . ولفظ الكافر في الحديث عام يشمل الكتابي وغيره ورواية أهل الكتابين لا تصلح لتخصيصه ولا لتقييده فإنها صادقة في نفسها ومفهوم اللقب ليس بحجة . وفي رواية أخرى للحديث « كانت قيمة الدية على عهد رسول اللّه ( ص ) ثمان مئة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم . قال وكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال : ان الإبل قد غلت . قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق ( الفضة ) اثنى عشر ألفا ( اي من الدراهم ) وعلى أهل البقر مئتى بقرة وعلى أهل الشاء الفي شاة وعلى أهل